الذهبي

56

سير أعلام النبلاء

واللهو ، مغرى بالعمائر ، وحفر الأنهار ، وتشييد القناطر ، والأسوار ، وعمر ببغداد جامعا كبيرا ، وأبطل المكوس والخفارات في جميع بلاده . هكذا نقل ابن خلكان ( 1 ) . قال : وصنع بطريق مكة مصانع ، يقال : إنه ضبط ما اصطاده بيده ، فبلغ عشرة آلاف وحش ، فتصدق بعشرة آلاف دينار ، وقال : إني خائف من إزهاق الأرواح لغير مأكلة . شيع مرة ركب العراق إلى العذيب ( 2 ) ، فصاد شيئا كثيرا ، فبنى هناك منارة القرون ( 3 ) من حوافر الوحش وقرونها ، ووقف يتأمل الحجاج ، فرق ونزل وسجد ، وعفر وجهه وبكى ، وقال بالعجمية : بلغوا سلامي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقولوا : العبد العاصي الآبق أبو الفتح يخدم ويقول : يا نبي الله ، لو كنت ممن يصلح لتلك الحضرة المقدسة ، كنت في الصحبة ، فضج الناس وبكوا ، ودعوا له . وأمنت الطرق في دولته ، وانحلت الأسعار ، وتزوج الخليفة المقتدي بابنته بسفارة شيخ الشافعية أبي إسحاق ( 4 ) ، وكان عرسها في سنة ثمانين ، وعملت دعوة لجيش السلطان ما سمع بمثلها أبدا ، فمما دخل فيها أربعون

--> ( 1 ) في " وفيات الأعيان " : 5 / 284 . ( 2 ) هو ماء بين القادسية والمغيثة ، بينه وبين القادسية أربعة أميال . " معجم البلدان " : 4 / 92 . ( 3 ) قال ابن خلكان : والمنارة باقية إلى الآن ، وتعرف بمنارة القرون ، وذلك في سنة 480 ه‍ . ( 4 ) هو أبو إسحاق الشيرازي صاحب " المهذب " و " التنبيه " ، وقد تقدمت ترجمته في الجزء الثامن عشر رقم ( 237 ) .